أخبار عاجلة

هل تصبح البنوك شريكًا في نجاح المشروعات الصغيرة بدلًا من مجرد ممول؟

بقلم دكتور محمد أسامة : مقال رأي يعبر عن وجهة نظر كاتبه

تُعد المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر بمثابة “العمود الفقري” للاقتصادات الحديثة، والمحرك الأكثر مرونة في مواجهة التقلبات العالمية. ففي الدول النامية لا تمثل هذه المشروعات مجرد نشاط تجاري فقط، بل تُعد الأداة الأكثر فاعلية لمحاربة البطالة وتعزيز الابتكار المحلي وتحويل المجتمعات من الاستهلاك إلى الإنتاج بأقل الإمكانيات الرأسمالية.

لكن ماذا لو قررت البنوك أن تقتصر عمليات منح القروض لموظفيها فقط لا غير؟
نعم، قد يبدو الأمر غريبًا للوهلة الأولى، لكنني أطالب بذلك بشدة.

وماذا لو قررت البنوك الاستغناء عن الفوائد التقليدية للقروض، واستبدالها بأشكال أخرى أكثر واقعية واستدامة؟
قد يبدو الأمر صادمًا أيضًا، لكنه يستحق التفكير.

قبل إصدار الأحكام المسبقة، أرجو التمعن في الفكرة، خاصة أن الحديث هنا يدور حول المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، باعتبارها أحد أهم مفاتيح التنمية الاقتصادية الحديثة.

أهمية المشروعات الصغيرة في دعم الاقتصاد

تكمن قوة هذه المشروعات في قدرتها العالية على توليد فرص العمل مقارنة بالصناعات الثقيلة، بالإضافة إلى دورها في توزيع الدخل وتقليص الفوارق الطبقية، من خلال تمكين الأفراد في المناطق الريفية والمهمشة.

كما تساهم هذه المشروعات في دعم الصناعات الكبرى، باعتبارها موردًا أساسيًا للمكونات والخدمات التي تحتاجها المصانع الضخمة، فضلًا عن تمتعها بمرونة اقتصادية عالية تساعدها على التكيف السريع مع تغيرات السوق المحلي.

ولم تكن النهضة الاقتصادية لبعض القوى العالمية وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة استراتيجيات اعتمدت على دعم القاعدة العريضة من المنتجين وأصحاب المشروعات الصغيرة.

فعلى سبيل المثال، اعتمدت “المعجزة الصينية” في بدايتها على المشروعات العائلية والصغيرة في القرى والبلدات، والتي ساهمت بنسبة كبيرة في الناتج المحلي وفرص العمل. كما استطاعت الهند تحويل قطاع المشروعات الصغيرة إلى قطاع تصديري ضخم، خاصة في مجالات البرمجيات والمنسوجات، بينما نجحت ماليزيا في التحول إلى مركز صناعي وتقني عالمي من خلال دعم الصناعات الصغيرة.

ومن هنا، يمكن القول إن الرهان الحقيقي على التنمية المستدامة يبدأ من دعم المشروعات الصغيرة وتوفير بيئة تمويلية وتشريعية مرنة لها.

جهود الدولة المصرية لدعم المشروعات الصغيرة

لا يخفى على أحد حجم الجهود التي تبذلها الدولة المصرية لتنشيط هذا القطاع الحيوي، سواء عبر التشريعات أو المبادرات التمويلية.

ومن أبرز هذه الخطوات إصدار قانون 152 لسنة 2020، والذي قدم حلولًا مهمة لمشكلة الخوف من الضرائب عبر نظام الضريبة القطعية، إلى جانب مبادرات البنك المركزي لتمويل المشروعات الصغيرة بفوائد منخفضة.

ورغم ذلك، لا تزال بعض العقبات تواجه الشباب الراغبين في خوض التجربة، مثل الإجراءات الروتينية المعقدة، والاشتراطات البيروقراطية، بالإضافة إلى الخوف من عدم القدرة على السداد.

المقترح: الاستثمار في البشر بدلًا من الضمانات التقليدية يقوم المقترح على فكرة أساسية، وهي الاستثمار في العنصر البشري.

فمصر تمتلك طاقة شبابية هائلة، حيث يمثل الشباب أكثر من نصف عدد السكان، وهي طاقة تحتاج فقط إلى التوجيه الصحيح والدعم الحقيقي.

وتقوم الفكرة على أن تختار البنوك بعض الأنشطة التي تحددها الدولة وفقًا للاحتياجات الاستراتيجية، مثل الأنشطة الزراعية أو الصناعية أو غيرها من القطاعات المهمة.

بعد ذلك، تقوم البنوك بتوظيف عدد من خريجي الجامعات من أصحاب الخبرات المناسبة، مع تدريبهم على الإدارة المالية وإدارة المشروعات.

ثم يتم إطلاق مشروع قومي لتمويل المشروعات الصغيرة بالمشاركة، بحيث يتقدم الشباب أصحاب الخبرات للحصول على التمويل وفقًا لدراسات جدوى معدة مسبقًا من قبل البنك، لضمان جدوى المشروع وحسن إدارة التمويل.

وفي المقابل، يتم تعيين موظف من البنك داخل المشروع للمشاركة والمتابعة وضمان الاستخدام الأمثل للتمويل، مع توزيع الأرباح بين البنك وصاحب المشروع وموظف البنك، بما يحقق مصلحة جميع الأطراف.

لماذا قد ينجح هذا النموذج؟

  • هذا النموذج يحقق عدة مزايا مهمة:
  • حماية أموال البنوك دون الحاجة إلى ضمانات معقدة
    تقليل مخاطر التعثر
    منح الشباب فرصة حقيقية للابتكار والعمل
    تحويل المقترض من مدين إلى شريك في النجاح
    خلق فرص عمل جديدة بشكل مباشر وغير مباشر

كما أن وجود موظف متخصص من البنك داخل المشروع قد يساعد على رفع كفاءة الإدارة وتحقيق أفضل نتائج اقتصادية ممكنة.

في الختام

المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر ليست مجرد قطاع اقتصادي هامشي، بل تمثل نقطة البداية الحقيقية لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.

فالانتقال من “اقتصاد الموارد” إلى “اقتصاد المبادرة” لا يحتاج فقط إلى التمويل، بل يحتاج إلى بناء منظومة متكاملة تمنح الشباب الثقة والقدرة على الابتكار والإنتاج.

لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن النهضة الاقتصادية لا تبدأ دائمًا بالمصانع العملاقة، بل قد تبدأ من فكرة صغيرة وجدت من يدعمها ويؤمن بها.

عن admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *